حيدر حب الله
141
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
فعليّة ، أو نفهمها كراهة أعم من الفعلية والتعليقيّة ، والمقصود من ذلك أنّ كراهة الشيء حالةٌ نفسيّة متفرّعة على المعرفة بهذا الشيء ، فأنت تعرفه ثم تكرهه ، أمّا لو لم تكن تعرف هذا الشيء أساساً ، فلا كراهة هنا ، إذ هي سالبة بانتفاء الموضوع ، وهكذا لو عرفت شيئاً آخر بظنّ أنّه هو هذا الشيء ، ثم كرهته ، فهنا لا تكون قد كرهت الشيء الأصليّ ، بل كرهت هذا الذي ظننته هو الشيء الأصلي . وبناءً عليه ، فعندما نقول بأنّ أكثر الناس كارهون للحقّ ، فهذا يعني أحد احتمالين : الاحتمال الأوّل : أن يكون المراد بالكراهة هو الكراهة الفعليّة ، فيكون المعنى : إنّ أكثر الناس الآن يكرهون الحقّ ، وهذا يتفرّع على معرفتهم بهذا الحقّ حتى يكرهونه ، فإذا عرفوا بعض الحقّ فكرهوه ، قلنا : إنّهم يكرهون هذا الحقّ ، أمّا لو لم يعرفوا البعض الآخر من الحقّ ، فلا معنى لأن يكرهوه أو لا يكرهوه ، إذ الكراهة الفعليّة فعلٌ نفساني قائم على التصوّر المسبق كالإرادة والحبّ تماماً . الاحتمال الثاني : أن يكون المراد أنّ طبيعة الناس بحيث لو عرفت الحقّ لكرهته ، فهنا تكون الكراهة تعليقيّةً ، أي معلّقةً على معرفة الحقّ ، فتسعون بالمائة من الذين يعرفون الحقّ - ولو في المستقبل - سوف يكرهونه ، وفي هذه الحال لا يمكن محاكمة الناس قبل تحقّق الكراهية منهم ؛ لأنّ المحاكمة على أساس الكراهة التعليقية هي محاكمة على الجرم قبل تحقّقه ، فلابدّ للمحاكمة والعقاب من فرض تعرّفهم على الحقّ وحصول الكراهة الفعليّة في هذه الحال . وهنا نقول : إنّ التعدّدي يعتبر أنّ الحقيقة وإن كانت جليّةً في بعض تجلياتها ، لكنّها ليست كذلك في كلّ تجلياتها ، فصحّة بعض النبوات مثلًا ليست مسألة جليّة لكلّ الناس ، حتى لو كانت واضحةً عندك ، والحقيقة ليست بمتناول يد